ابو القاسم عبد الكريم القشيري
83
لطائف الإشارات
تحمّلنا ألا نجيبهم ، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءهم . وربما يشكو العبد بأن الربّ لا يجيب دعاءه ، ولو علم أنه ترك إجابته لطفا منه وأنّ في ذلك بلاء لو أجابه ، كما قيل : أناس أعرضوا عنّا * بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنّهم فينا * فهلّا أحسنوا الظّنا قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 12 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) إذا امتحن العبد وأصابه الضّرّ أزعجته الحال إلى أن يروم التخلّص مما ناله ، فيعلم أنّ غير اللّه لا ينجيه ، فتحمله الضرورة على صدق الالتجاء إلى اللّه ، فإذا كشف اللّه عنه ما يدعو لأجله شغلته راحة الخلاص عن تلك الحالة ، وزايله ذلك الالتياع ، وصار كأنه لم يكن في بلاء قط : كأنّ الفتى لم يعر يوما إذ اكتسى * ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلّا ويقال بلاء يلجئك إلى الانتصاب بين يدي معبودك أجدى لك من عطاء ينسيك ويكفيك عنه . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 13 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) أخبر الحقّ سبحانه بإهلاك الظالمين ، كما في الخبر : « لو كان الظلم بيتا في الجنّة لسلّط اللّه عليه الخراب » . والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا وضع العبد قصده - عند حوائجه - في المخلوقين ، وتعلّق قلبه بهم في الاستعانة ، وطلب المأمول فقد وضع الشيء في غير موضعه ،